محتواها يخاطبكَ
أحرقَها أنينُ اليأسِ، لم يخططا لحياةٍ تدومُ شهراً، ويستمرُ الغيابُ لسنواتٍ، تزدادُ فيها جمالاً يوماً بعدَ آخرَ، فقد تزوجَها وهي صغيرةٌ، تواصَلتْ مع أهلِ زوجِها بالإحسانِ، وأبدعَتْ معهم بالتواصلِ، خطفَتِ الضمائرَ قبلَ القلوبِ، فكانَ محتواها البريءِ يخاطبُ كلَّ العقولِ الصغيرةِ قبلَ الكبيرةِ، استمرَتْ حياتَها السعيدةَ مع زوجهِا شهراً، فكانَ لا أحدَ يستطيعُ تفسيرَ أيامِها الأولى سِواها، ثم التحقَ الى جبهاتِ القتالِ على حدودِ بلدهِ، وكلما أصرَّتْ الأيامُ على أنْ تجعلَها حزينةً، تراها عائلةُ الزوجِ تبتسمُ رغماً عنها، في حينِ أنهَّا بداخلِ غرفتِها تذرفُ كلَّ لحظةٍ دموعاً لا تهدأُ لفراقهِ، تتوضأُ خمسَ مراتٍ في اليومِ فلا تجزعُ ولا تمنعُ، محفورٌ في ذاكرتِها الأيامُ التي لم تضعْ مكياجاً لها، لأنَّها تحملُ أصالةَ الروحِ، تأخرَ الزوجُ كثيراً وهي منتظرةٌ للقائهِ ذاتَ يومٍ، عاشَتْ شهراً مع عائلتِه وسكنَتْ سنواتٍ مع عائلتِها، فشاورَتْ أخاها في الأمرِ وقالَتْ لهُ: لقد كنْتُ قويةً لأنَّ رأييّ من رأيهِ في أمورِ حياتي، كالحبلِ كلما قرنَتْ به حبلاً آخرَ قويَ واشتدَّ، وبالصبرِ والرضا تعاهدْنا لتصبحَ حياتَنا أجملَ، أجابَها أخوها: هناكَ شيءٌ بينَكما لا يفكُّ طلاسمَهُ إلا العاشقونَ، إنَّهُ الحبُّ، قالَتْ: نعم وبشدةٍ ولوعةٍ، ومع دمعِ المواساةِ قالَ لها والدُها: بُنيتي حبكِ ما زالَ رهنُ الاعتقالِ، فمنذُ سنواتٍ لم تصلْنا أيةُ أخبارٍ عنهُ، حتى بقايا جلودِ وعظامِ لشهداءَ وصلَتْ من الحربِ لأهليها، بكَتْ الفتاةُ ومسحَتْ غبارَ الوطنِ عن وجهِها، وذهبَتْ للحديقةِ فخاطبَتْ أوراقَ الزيتونِ متسائلةً: هل من رجوعٍ ولقاءٍ؟ ربَتْ واهتزَتِ الأغصانُ بسرعةٍ، وتفردَّتْ فروعُ الشجرةِ تتراقصُ أمامَها، اطمأنَتِ الفتاةُ وعادَتْ للبيتِ راضيةً مرضيةً، وفي المنامِ جاءَها طائرُ الأماني، فحلقَّتْ لأرضٍ بعيدةٍ، وسمعَتْ بكاءَ الزغاريدِ، وبما أنَّ الأبوابَ تعرفُ الحكاياتِ والكلماتِ، فقد أُذيعَ صباحَ اليومِ التاليّ نبأَ انتهاءِ الحربِ، وإيقافِ رقّاصِ القتالِ، وعودةِ المقاتلينَ على وجهِ السرعةِ لأهاليهم، وما بينَ قيلٍ وقالٍ، حطَّ الرحال، بطلُ الرجالِ، وبينَ حشودِ الخناجرِ وملايينِ الحناجرِ، طافَ ليثُ الميادينِ يلوّحُ لهُ الملايينُ، أنْ حللَّتَ أهلاً ونزلْتَ سهلاً، لقد طالَ غيابُكَ فحمداً للهِ لسلامةِ الرجوعِ، وعندَ لقائهِ بزوجتِهِ الحبيبةِ قالَ لها: تأخرْتُ لأنَّ لصوصَ الحدودِ فجّروا رُفاتَ المئاتِ من الشهداءِ، وتطوعْتُ مع زملائي لأجمعَ بعضَ ما بقي من أوراقِهم وأجسادِهم الطاهرةِ، وقعْنا في الأسرِ، وطالَتْ أشرعةُ المسافاتِ، لكننا بُشَّرْنا بفتحٍ قريبٍ ونصرٍ مبينٍ، ورأيْتُ في منامي أنَّك قَدِمَتِ على طائرِ الأماني تبحثينَ عني، فنادتني زغاريدُكَ الدافئةُ، عندَها حضرَتْ طائراتُنا، ودكَّتْ مواقعَ العدوِّ، وتحررْنا من قيدِ الأسرِ، وفي غرفةِ السُّهادِ خفقَ الفؤادُ، وانعقدَتْ ملفاتُ اللسانِ، وتكلَّمتْ أساريرُ الوجدانِ، وباتَ محتواها يخاطبُكَ أيُّها الحبيبُ.
أمل الياسري/ العراق
أحرقَها أنينُ اليأسِ، لم يخططا لحياةٍ تدومُ شهراً، ويستمرُ الغيابُ لسنواتٍ، تزدادُ فيها جمالاً يوماً بعدَ آخرَ، فقد تزوجَها وهي صغيرةٌ، تواصَلتْ مع أهلِ زوجِها بالإحسانِ، وأبدعَتْ معهم بالتواصلِ، خطفَتِ الضمائرَ قبلَ القلوبِ، فكانَ محتواها البريءِ يخاطبُ كلَّ العقولِ الصغيرةِ قبلَ الكبيرةِ، استمرَتْ حياتَها السعيدةَ مع زوجهِا شهراً، فكانَ لا أحدَ يستطيعُ تفسيرَ أيامِها الأولى سِواها، ثم التحقَ الى جبهاتِ القتالِ على حدودِ بلدهِ، وكلما أصرَّتْ الأيامُ على أنْ تجعلَها حزينةً، تراها عائلةُ الزوجِ تبتسمُ رغماً عنها، في حينِ أنهَّا بداخلِ غرفتِها تذرفُ كلَّ لحظةٍ دموعاً لا تهدأُ لفراقهِ، تتوضأُ خمسَ مراتٍ في اليومِ فلا تجزعُ ولا تمنعُ، محفورٌ في ذاكرتِها الأيامُ التي لم تضعْ مكياجاً لها، لأنَّها تحملُ أصالةَ الروحِ، تأخرَ الزوجُ كثيراً وهي منتظرةٌ للقائهِ ذاتَ يومٍ، عاشَتْ شهراً مع عائلتِه وسكنَتْ سنواتٍ مع عائلتِها، فشاورَتْ أخاها في الأمرِ وقالَتْ لهُ: لقد كنْتُ قويةً لأنَّ رأييّ من رأيهِ في أمورِ حياتي، كالحبلِ كلما قرنَتْ به حبلاً آخرَ قويَ واشتدَّ، وبالصبرِ والرضا تعاهدْنا لتصبحَ حياتَنا أجملَ، أجابَها أخوها: هناكَ شيءٌ بينَكما لا يفكُّ طلاسمَهُ إلا العاشقونَ، إنَّهُ الحبُّ، قالَتْ: نعم وبشدةٍ ولوعةٍ، ومع دمعِ المواساةِ قالَ لها والدُها: بُنيتي حبكِ ما زالَ رهنُ الاعتقالِ، فمنذُ سنواتٍ لم تصلْنا أيةُ أخبارٍ عنهُ، حتى بقايا جلودِ وعظامِ لشهداءَ وصلَتْ من الحربِ لأهليها، بكَتْ الفتاةُ ومسحَتْ غبارَ الوطنِ عن وجهِها، وذهبَتْ للحديقةِ فخاطبَتْ أوراقَ الزيتونِ متسائلةً: هل من رجوعٍ ولقاءٍ؟ ربَتْ واهتزَتِ الأغصانُ بسرعةٍ، وتفردَّتْ فروعُ الشجرةِ تتراقصُ أمامَها، اطمأنَتِ الفتاةُ وعادَتْ للبيتِ راضيةً مرضيةً، وفي المنامِ جاءَها طائرُ الأماني، فحلقَّتْ لأرضٍ بعيدةٍ، وسمعَتْ بكاءَ الزغاريدِ، وبما أنَّ الأبوابَ تعرفُ الحكاياتِ والكلماتِ، فقد أُذيعَ صباحَ اليومِ التاليّ نبأَ انتهاءِ الحربِ، وإيقافِ رقّاصِ القتالِ، وعودةِ المقاتلينَ على وجهِ السرعةِ لأهاليهم، وما بينَ قيلٍ وقالٍ، حطَّ الرحال، بطلُ الرجالِ، وبينَ حشودِ الخناجرِ وملايينِ الحناجرِ، طافَ ليثُ الميادينِ يلوّحُ لهُ الملايينُ، أنْ حللَّتَ أهلاً ونزلْتَ سهلاً، لقد طالَ غيابُكَ فحمداً للهِ لسلامةِ الرجوعِ، وعندَ لقائهِ بزوجتِهِ الحبيبةِ قالَ لها: تأخرْتُ لأنَّ لصوصَ الحدودِ فجّروا رُفاتَ المئاتِ من الشهداءِ، وتطوعْتُ مع زملائي لأجمعَ بعضَ ما بقي من أوراقِهم وأجسادِهم الطاهرةِ، وقعْنا في الأسرِ، وطالَتْ أشرعةُ المسافاتِ، لكننا بُشَّرْنا بفتحٍ قريبٍ ونصرٍ مبينٍ، ورأيْتُ في منامي أنَّك قَدِمَتِ على طائرِ الأماني تبحثينَ عني، فنادتني زغاريدُكَ الدافئةُ، عندَها حضرَتْ طائراتُنا، ودكَّتْ مواقعَ العدوِّ، وتحررْنا من قيدِ الأسرِ، وفي غرفةِ السُّهادِ خفقَ الفؤادُ، وانعقدَتْ ملفاتُ اللسانِ، وتكلَّمتْ أساريرُ الوجدانِ، وباتَ محتواها يخاطبُكَ أيُّها الحبيبُ.
أمل الياسري/ العراق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق